الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

164

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والرسل الّذين أرسلوا إليهم هم موسى وهارون ومن جاء بعدهما مثل يوشع بن نون وأشعيا وأرميا وحزقيال وداود وعيسى . فالمراد بالرّسل هنا الأنبياء : من جاء منهم بشرع وكتاب ، مثل موسى وداود وعيسى ، ومن جاء معزّزا للشّرع مبيّنا له ، مثل يوشع وأشعيا وأرميا . وإطلاق الرّسول على النّبيء الّذي لم يجئ بشريعة إطلاق شائع في القرآن كما تقدّم ، لأنّه لمّا ذكر أنّهم قتلوا فريقا من الرسل تعيّن تأويل الرسل بالأنبياء فإنّهم ما قتلوا إلّا أنبياء لا رسلا . وقوله : كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا إلخ انتصب كُلَّما على الظرفيّة ، لأنّه دالّ على استغراق أزمنة مجيء الرسل إليهم فيدلّ على استغراق الرسل تبعا لاستغراق أزمنة مجيئهم ، إذ استغراق أزمنة وجود شيء يستلزم استغراق أفراد ذلك الشيء ، فما ظرفية مصدريّة دالّة على الزّمان . وانتصب ( كلّ ) على النّيابة عن الزّمان لإضافته إلى اسم الزّمان المبهم ، وهو ( ما ) الظرفية المصدرية . والتقدير : في كلّ أوقات مجيء الرّسل إليهم كذّبوا ويقتلون . وانتصب كُلَّما بالفعلين وهو كَذَّبُوا و يَقْتُلُونَ على التّنازع . وتقديم كُلَّما على العامل استعمال شائع لا يكاد يتخلّف ، لأنّهم يريدون بتقديمه الاهتمام به ، ليظهر أنّه هو محلّ الغرض المسوقة له جملته ، فإنّ استمرار صنيعهم ذلك مع جميع الرّسل في جميع الأوقات دليل على أنّ التّكذيب والقتل صارا سجيتين لهم لا تتخلّفان ، إذ لم ينظروا إلى حال رسول دون آخر ولا إلى زمان دون آخر ، وذلك أظهر في فظاعة حالهم ، وهي المقصود هنا . وبهذا التّقديم يشرب ظرف كُلَّما معنى الشرطية فيصير العامل فيه بمنزلة الجواب له ، كما تصير أسماء الشّرط متقدّمة على أفعالها وأجوبتها في نحو أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ [ النساء : 78 ] . إلّا أنّ كُلَّما لم يسمع الجزم بعدها ولذلك لم تعدّ في أسماء الشرط لأنّ ( كلّ ) بعيد عن معنى الشرطية . والحقّ أنّ إطلاق الشرط عليها في كلام بعض النّحاة تسامح . وقد أطلقه صاحب « الكشاف » في هذه الآية ، لأنّه لم يجد لها سببا لفظيا يوجب تقديمها بخلاف ما في قوله تعالى : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ في سورة البقرة : [ 87 ] ، وفي قوله : أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [ 100 ] في تلك السورة ، فإنّ التّقديم فيهما تبع لوقوعهما متّصلتين بهمزة الاستفهام كما ذكرناه هنالك ، وإن كان قد سكت عليهما في « الكشاف » لظهور أمرهما في تينك الآيتين .